المؤسسة وهيئاتها الجماعية
I. مقدمة
الظاهرة التي كانت تسود دائما العلاقة بين الأجير
والمؤاجر هي الصفة الفردية، وإذا نظرنا إلى عقد الشغل كعقد مبرم بين شخصين يلتقيان
على قدم المساواة القانونية، والذي بمقتضاه يضع أحد دينك الشخصين نفسه اختياريا
وبمحض إرادته ورضاه تحت سلطة الآخر، بحيث تنشأ بين الطرفين المتعاقدين رابطة
التبعية. وسواء تعلق الأمر بشخص ذاتي أو بشخص معنوي فإن المؤاجر يعرض تحت صفته
الفردية كمتعاقد يمنحه العقد، سلطة إدارة ورقابة على الأجير.
لكن بدل هذا التصور الفردي للمؤاجر الذي ساد خلال زمن طويل، نشأ مؤخرا تصور
جديد يرى في المؤاجر لا مجرد شخص ذاتي أو معنوي مناطة به سلطة النهي والأمر، بل اعتباره هيئة موضوعية تضم مجموعة من
العناصر التي تتضافر حول مباشرة نشاط ما.
وُيجُمع المشتغلون بهذه المواضيع على تسمية هذه المجموعة من
العناصر باسم المؤسسة ( ويقال أيضا المشروع
أو المقاولة )، وهكذا جاءت فكرة المؤسسة لتحل في إطار القانون الاجتماعي محل فكرة
المؤاجر، كشخص ذاتي أو معنوي، أو على الأقل لتكمل هذا التصور.
وعليه فإن هذه المؤسسة تضم مجموعة من العناصر الشخصية
والمادية:
فالعناصر الشخصية تتألف من جهة من رئيس المؤسسة، ومن جهة أخرى
من مجموع الأجراء الذين يساهمون بشغلهم في نمو هذه المؤسسة، أما العنصر المادي
فيتألف من مجموع الوسائل الموضوعة تحت تصرف العنصر الشخصي لمباشرة النشاط المناط به. ففكرة العنصر الشخصي المؤلف من
رئيس المؤسسة ومن أجرائها يفترض تحولا في التصور التقليدي في علاقات الشغل. فالمؤاجر الذي هو رئيس المؤسسة لم يعد ينظر إليه كأنه ربها
المطلق.
فمقابل الديمقراطية السياسية التي
أدت إلى مشاركة الشعب في إدارة الشؤون العامة، ظهرت في نفس الوقت ديموقراطية المؤسسة. فالرئيس لم يعد
الرب المطلق، وأصبح الأجراء يتمتعون بالحق في التدخل في إدارة المؤسسة بكيفية تزيد
أو تنقص حسب التشريعات. وهكذا ظهر تمثيل الأجراء في المؤسسة ويعرف ممثلو الأجراء
في القانون المغربي باسم مندوبي العمال.
II. المؤسسة ونظامها
الأساسي وسلطات رئيسها
أ
المؤسسة:
تستعمل لفظة " مؤسسة
" سواء في القانون التجاري أو في قانون الشغل. ولكنها لا تدل
على نفس المعنى في القانونين.
ففي القانون التجاري تعرف المؤسسة أو
المقاولة بأنها " استثمار عنصر أو عدة عناصر من شأنها أن تجمع أو أن تستبقي الزبناء " كما تعرف أيضا بأنها " هيئة تعرض خدماتها
على الجمهور بكيفية مستمرة " ففي هذه التعريفات، لا ينظر إلى العنصر الشخصي
بل المهم هو النشاط قصد تحقيق كسب. ولكن المؤسسة لها في إطار قانون الشغل مفهوم
آخر، لأن العنصر الشخصي هو الذي يحتل هنا محل الصدارة، فيقال إن هناك مؤسسة حيث
يوجد عدد من الأجراء يقومون بنشاط مشترك تحت سلطة هيئة مناطة
بها سلطة الإدارة.
وعليه فإن المؤسسة تمتاز في نظر قانون الشغل
بالمميزات الثلاث الآتية:
أولا: بمحلها الذي يتكون من مباشرة نوع من النشاط ليس من
الضروري أن يكون نشاطا اقتصاديا. فالجمعية أو الجمعية
الخيرية التي تستعمل أجراء، تعتبر مؤسسة في نظر قانون الشغل، بينما لا تعتبر مؤسسة
بهذا المعنى في نظر القانون الاقتصادي.
ثانيا: سلطة الإدارة العليا المجسمة في رئيس
المؤسسة، والتي يمكن أن تكون مناطة إما بشخص وإما
بمجموعة أشخاص كما هو الأمر مثلا بالنسبة للمجلس الإداري لشركة مساهمة.
ثالثا: الأجراء، أي جماعة من الشغالين
ينجزون عملا ما تحت سلطة رئيس المؤسسة. وهذه المميزة
جوهرية، لأن المؤسسة الصناعية التقليدية أو العائلية التي ليس لديها أجراء لا
تعتبر مؤسسة في مفهوم قانون الشغل، إذ لا توجد في إطارها أية علاقة شغل مأجور.
بالنظام الداخلي (النظام النموذجي):
إن تشريع الشغل ككل نص تشريعي أو تنظيمي
يتميز بالإجمال، لكن تطبيقه يجب أن يأخذ بعين الاعتبار الظروف الخاصة لكل مؤسسة،
ولذلك فالمؤاجر مضطر بطبيعة الحال في المؤسسات التي تضم عددا مهما من الأجراء إلى
تعيين كيفية تطبيق هذا التشريع في مؤسسته بصورة دائمة، وذلك بواسطة نص خاص بها. والجدير بالذكر أن القانون
نفسه يفرض عليه وجوب القيام بذلك عن طريق وضع نظام داخلي يعرف أيضا باسم (نظام
المعمل)، لكنه أجاز له الاكتفاء بالنظام النموذجي.
1. وضع النظام الداخلي
للمؤسسة:
بمقتضى الفصل الأول من ظهير 23 أكتوبر 1948
المتعلق بالنظام النموذجي لتعيين العلاقات بين الأجراء والمؤاجر، " في كل
المؤسسات الصناعية والتجارية وكذلك في المهن الحرة يجب أن تكون العلاقات بين
الأجراء والمؤاجر محل نظام خاص يضعه رئيس المؤسسة ". ويجب
أن يحظى هذا النظام بموافقة وزارة الشغل.
هذا، وإن النظام الداخلي والتغييرات التي
تدخل عليه يجب أن يعلق في المؤسسة في مكان بارز يمكن للأجراء الاطلاع عليه أو يوزع
هذا النص على كل أجير.
2. مضمن النظام الداخلي:
لم يعين الظهير المسائل التي يجب أن يتضمن
النظام الداخلي للمؤسسة تنظيمها. ولكنه من المسلم مبدئيا
من باب المقارنة مع النظام النموذجي (الآتي ذكره)، أن النظام الداخلي يجب أن يشمل
كل العلاقات التي ينظمها تشريع الشغل. فرئيس المؤسسة
يتمتع بحرية واسعة لتعيين مقتضيات النظام، ولكن على شرط أن يحترم القواعد المنصوص
عليها في الفصل الثالث من الظهير. فبمقتضى هذا الفصل يجب
على الأنظمة الداخلية التي لا تتبنى نص النظام النموذجي أو الاتفاقية الجماعية أن
تتضمن حتما شروطا تمنح للأجراء منافع أو تسهيلات تكون على الأقل موازية لما تمنحه
للأجراء الشروط التي تقابلها من النظام النموذجي.
3. النظام النموذجي:
إن رئيس المؤسسة الذي لا يريد وضع نظام خاص
بمؤسسته يمكنه أن يقتصر على تعليق النظام النموذجي. ويشتمل هذا النظام على 14 فصلا. ويتبين مضمنه من مطالعة عناوين مختلف فصوله وهي الآتية:
الفصل 1: تقسيم الأجراء ( أجراء قارين وأجراء مؤقتين ).
الفصل 2: مدة التجربة.
الفصل 3: التشغيل.
الفصل 4: فسخ عقد الشغل عن طريق الإعفاء.
الفصل 5: مهلة الإشعار في حالة الإعفاء من
الخدمة بالنسبة إلى الأجراء القارين.
الفصل 6: التأديب والتدابير التأديبية.
ويلاحظ أن هذا الفصل تضمن سرد الوقائع التي تعتبر أخطاء
جسيمة تبرر إعفاء الأجير فورا.
الفصل 7: العلاقات بين المؤاجر والأجراء.
الفصل 8: علاوة الأقدمية.
الفصل 9: دورية أداء الأجور – توصيل الأداء.
الفصل 10: العطل المؤدى عنها الأجر.
الفصل 11: العطل بسبب المرض.
الفصل 12: التغيبات.
الفصل 13: تدابير المحافظة على صحة الأجراء
وسلامتهم.
الفصل 14: حوادث الشغل والأمراض المهنية.
والجدير بالذكر أنه في
المؤسسات التجارية والصناعية الصغيرة والمتوسطة غالبا ما يعلق النظام النموذجي.
4. سلطات رئيس المؤسسة:
المؤسسة هيئة منظمة تنظيما تسلسليا رئيسها
المؤاجر. وحين يقبل الأجير عقد الشغل يلتزم ضمنيا بأن
يضع نفسه تحت أوامر رئيس المؤسسة. وهذا ما يعبر عنه برابطة التبعية.
ويتمتع المؤاجر بوصفه رئيسا للمؤسسة بسلطة
على الأجراء، وتبرز هذه السلطة أولا في ما يسمى بسلطة الإدارة، ويقابل هذه السلطة من طرف الأجير
الالتزام بالامتثال والطاعة، ومخالفة هذا الالتزام تخول رئيس المؤسسة الحق
باستعمال سلطته التأديبية.
وبمقتضى النظام النموذجي، تنقسم العقوبات
التأديبية التي يمكن أن يتعرض لها الأجير إلى أربعة أنواع:
أولا : التوبيخ كتابة.
ثانيا: تغيير
المصلحة أو المعمل الذي يعمل فيه الأجير.
ثالثا: الإعفاء مؤقتا لمدة لا تزيد على ثمانية أيام.
رابعا: العزل
النهائي.
فبعض هذه العقوبات يمكن أن يفرضها رئيس
المؤسسة وحده، والبعض الآخر لا يمكن أن يفرض إلا بعد استشارة المجلس التأديبي في
المؤسسات التي يوجد فيها هذا المجلس.
وتضاف إلى العقوبات السابقة الذكر عقوبة الغرامة
التي يمكن أن تفرض بسبب بعض المخالفات ( أنظر موضوع نظام الغرامة في إطار حماية
الأجر ).
إلا أن السلطة التأديبية التي يمارسها رئيس
المؤسسة ليست مطلقة، بل تخضع لرقابة قضائية. فالأجير الذي يعتبر أنه عوقب ظلما
يمكنه أن يتظلم لدى المحكمة التي تنظر في نزاعات الشغل.